عدنان زرزور
84
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
هو القرآن الكريم باعتبار أنه الألفاظ المعجزة أو الكلام العربي المعجز من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس « 1 » ، وأنه كلام اللّه تعالى وحده ، لا دخل لجبريل ولا لمحمد - عليه السلام - في إنشائه وترتيبه ، فمهمة جبريل - عليه السلام - الحكاية للرسول والإيحاء إليه ، وليس للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم في هذا القرآن سوى وعيه وحفظه ، ثم حكايته وتبليغه ، ثم بيانه وتفسيره والعمل بمقتضاه . قال تعالى : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ( 6 ) [ سورة النمل ، الآية 6 ] . وقال : وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي [ سورة الأعراف ، الآية 203 ] .
--> ( 1 ) يرى بعض العلماء أن في قوله تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ما يشير إلى أن تنزلات القرآن كانت إلى اللوح المحفوظ ، وأنه تنزل إليه جملة لا مفرقا ، لأن أسرار تنجيم القرآن على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لا يعقل تحققها في هذا التنزيل ، ويقولون أيضا إن هنا لك تنزلا ثانيا إلى السماء الدنيا ، بدليل قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ وقوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وقوله تعالى : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ فيستدلون بهذه الآيات مجتمعة على نزوله جملة في ليلة القدر من شهر رمضان ، لأن نزوله الثالث على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان مفرقا في ثلاث وعشرين سنة كما هو معلوم . ويتعين الذهاب إلى هذا التفسير إذا ثبتت التنزلات الثلاثة بالأحاديث الصحيحة ، أو يقال في مثل هذه الحال : إن هذا التفسير وارد بدليل تلك الأحاديث ، لأن هذه الآيات تحتمل وجها آخر من وجوه التفسير . وقد لا يفهم من الآية الأولى التي استدل بها على التنزيل الأول إلى اللوح المحفوظ أكثر من أن القرآن الكريم عند اللّه ثابت ، قوله هو المرجع الأخير في كل يتناوله من الأمور ، وأن كل ما قضاه اللّه عزّ وجلّ من قرآن وغيره هو في هذا اللوح ، الذي لا يدرك البشر طبيعته ، لأنه من أمر الغيب الذي تفرد اللّه بعلمه ، كما أن الآيات الأخرى التي استدل بها على التنزل الثاني تفيد أن ليلة القدر من رمضان كانت بدء نزول القرآن على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أي أن القرآن ابتدئ تنزيله في ليلة القدر ، ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة من سائر الأزمان . واللّه تعالى أعلم . راجع الإتقان للسيوطي 1 / 116 - 120 . تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار التراث 1985 القاهرة .